مقدمة الطابعة الثانية
أصدقائى وأعزائى :
لاتتصورون كيف يكون حالى حينما يلازمنى شريط ذكرياتى بكل مراحل العذاب ومراحل الأمل ولحظات السعادة القليلة فى حياتى ، بالأمس جاء طيفها ومكث فى وجدانى ، استعذبت صورتها التى دوما لم تفارق خيالى ، فهممت وألقيت بجسدى المجهد تحت الأغطية .. واتكأت على وسادتى خلف رأسى لأقرأ قبل نومى حتى استطيع النعاس فى هدوء كما تعودت ، لكننى لم استوعب كلمة واحدة ، فلازال طيفها يتدفق بين حنايا المناطق الدافئة فى قلبى وعقلى ووجدانى .. أطفأت الأنوار من حولى وراح عقلى يسرد شريط حياتى .. لم يكن فى الغرفة سوى شعاع ضوء متسلل عبر النافذة يرسم أطيافا وهالات فوق مضجعى .. وصمت واسع النطاق يتحرك جسدى فيه ، إننى محاصر بين عقل و ذكريات ومشاعر طفولية بريئة ورقيقة ، نعم إننى منذ أن غدوت للحياة لم أفترق عنها .. عن الحبيبة الغائبة الحاضرة .. إننى أحملها فى أفكارى وأمضى معها فى رحلة حياتى .. أحملها فى كل تنقلاتى .. أرى زمانى فى بحر عينيها العميق ، وأعيش على ضفاف مامنحته لى من حب وعطف .. أمسح بوجهى نظراتها المتألقة فى ملامحها الهادئة الجميلة الكامنة فى مصادر القوة والضعف داخلى ، أنطلق منه لمواجهة الصعاب ببريق عينيها الآخذ .. بنظراتها التى تتبعنى أينما تحركت أو ابتعدت فى صمت ، أسحب نفسا عميقا أملأ به صدرى بهواء عاطر بالحب الكبير العتيق بعمق الزمان والمكان داخلى فتبدو ابتسامة عفوية متوهجة منى تملؤنى أملا فى الصباح الجديد الذى لم تتركنى فيه ، فيسبقنى لسان حالى طالبا لها الرحمة والغفران .. إنها أمى .. واحة الحب .. قمة العطاء الإنسانى .. حب بلا مقابل .. وعطاء بلا حساب .. رحمة الله فى الأرض ، ودعاؤها باب واسع للجنة ، رحمك الله رحمة واسعة وأسكنك فسيح جناته قدر عطائك وجم حبك الغالى الذى لم ولن يتكرر .
مع خالص تحيات : عصــــــام
القـاهــــرة فى مارس 2009

أمــي .. الغائبة الحاضـــرة
ثقلت الدنيــا عليـها .. لم يعد جسدها الواهن الضعيف يقوى على الإحتمال .. صورتها الحلوة الجميلة ، بصمة حب طبعت فى قلبى وعقلى معا .. بصمة تبعث كوامن نفسى ،ترجفها بعنف يهتز لها كيانى كله .. أثر عميق لايندمل ولايجف أبدا ، وكيف يجف وقد كانت نبع الحياة الصافى الضافى .. كانت أكثر تعبيرا عن سمو الكبرياء والعظمة .. وكانت رمزا للشموخ والرفعة .. كانت حبا متدفقا ليس لأبنائها فقط ولكن لكل من كان يعرفها .
لم تقو ، فترفعت عن الحياة ، وكانت أرادة الله التى منحتها الراحة ، من عذابها ومرضها ، ولحياتها الصعبة القاسية ، فقد كان قدرها أن تتحمل أعباء أسرتها كاملة مليئة بالمشاكل ، كم تمنيت أن أصارع المستحيل فى سبيل التخفيف عنها وعن عبء فرض نفسه عليها فرضا وبقوة ، كان لها بلاء وابتلاء ، وامتحانا صعبا رهيبا ، كنت أحاول فى حدود مامنحنى الله من قوة ، ولم أستطع ، وياليتنى كنت أستطيع ، لكنت محوت عنها كل عذاب .. وسحقت منها كل مرض .. ولنزعت القهر والقلق والتوتر والألم والدموع والجراح العميقة ، تلك ماعجل صنع نهايتها .. نهاية حياة أمى ، فانتهى بذلك صبرها ، ووهى جلدها ، وضاع شبابها الغض ، وراحت طلعتها الحلوة التى كانت تملأ حياتى اطمئنانا وسكينة . شريط الذكريات يعود بى كل يوم إلى حيث كانت ، فهى لازالت تملأ الدنيا حيوية ونشاطا ، لاتعرف الكلل رغم مابها من أمراض ، لقد تركت أمى الدنيا والبيت والولد والزوج والأهل عن عمر لايتجاوز الخمسين عاما .. مضت غير عابئة ، وكيف تعبء وقد عاشت أيامها باحثة عن سعادة لم تبلغها بعد ، وأمل طال مداه .. وفرحة طالما رجوت أن تتلمسها فى سعادة ابن ، أو بسمة حياة ، أو تنعم بمداعبة الأحفاد .. عاشت والمال فى يدها قليل ، أقل من تدبير حال بيتها فأكسبها ذلك فطنة لم أعهده فى إنسان قط ، فلم نشعر للحظة واحدة أننا حرمنا من شيئ ، بل عشنا فى رفاهية فى حدود المتاح من المال الذى كان يكد و يتعب فيه والدى ، فكنا نقدر قيمته وننعم ببركته ،

كما اكسبت الحياة أمى الكثير ، فقد كانت لبقة ، ذكية القلب والعقل معا ، تعرف كيف تخفى مايعترك بداخلها عن أعين الناس ماكانت تكره أن يراه أحد ، وكانت توفق بفضل هذه اللباقة وهذا الذكاء مايجعلها تبدو شديدة الحرص على ألا تجزع أمام أحد رغم اختلاف هذه المشاكل وتنوع حدتها ، ولكن أى شيئ يبقى على الأيام ، لقد ذهبت ، كما ذهبت الأيام بنضرة شبابها ، كما ذهبت الأيام بكل ماكان يجب أن يكون لدينا من مال وأرض وأملاك لم نتملك منها شبرا واحدا ، فقد أخذت الحكومة إبان الثورة كل أملاك جدى أيام التأميم ، وأخذ الغير كل ماتبقى لنا من ميراث جدتى ، وأصبحوا ينعمون بحقنا الشرعى ، أما نحن فقد آثر والدى على أن ينجو بنا من الصراع الدامى على هذا الميراث ، ميراث الغضب ، بعد أن كتب جدى بقية أملاكه من ميراث جدتى لزوجته العاقر ، ليستفيد بها أولاد أختها بعد موتها ، وقد كان ، بل وزاد على ذلك المشاكل الكثيرة التى وضعنا فيها أخى الأصغر بأحلامه الطائرة الطائشة ، و مع الأسف كانت كلها مادية وبسبب إمرأة ــ أيضا ــ أرملة استطاعت هى الأخرى أن تخدعه وتملك عليه أمره ، ولكن كانت الخسائر فى هذه المرة مقدرات بيتنا الهادئ الجميل ، كل ذلك جعل أمى تستدين وماكانت للأستدانة بحاجة ، لكن القدر والإبتلاء وامتحانات الدهر المتلاحقة ، جعل منها أيضا امرأة مذعنة لحكم قضاء الله فيها وبمسئوليتها الرهيبة التى كتبت لها ، فكانت لاتنكر شيئا ، محزونة ولكن فى دعة ، ملتاعة لكن فى هدوء ، لايحسه أحد من شدة حرصها على إخفاء مايضمره نفسها ، وكتمان ماتحس ، واحتفظت لنفسها بمشاكلها وخطوبها ، حتى نحن حاولت قدر الإمكان أن تبعدنا عن دائرة هذه المشاكل ، فكان كل من يعرفها يختلف اختلافا بينا فى تقدير أمرها وتربيتها لابنائها وحسن تدبير شئونها ومع كل هذا الإخفاء فإنها لم تستطع أن تخفى ماأودعه الله فى نفسها من ملكات مالايستطيع أن ينكره عليها أحد ، حيث كانت قوية الشخصية ، سمحة الطبع ، رضية النفس ، سخية اليد ، حلوة العشرة ، عذبة الحديث ، تملك قلبا يفيض بالحب ، بسيطة ، متواضعة ، قوية الإيمان ، تسيطر عليها نزعة دينية ، رغم عدم بلوغها من التعليم مايساوى فطنتها وذكاءها الحاد ، فكانت تتعلم الأشياء بحسها الواعى ، إنها كانت تملك نفسا تعرف كيف تضبط أهواءها ، ورغم كل ذلك لم تظفر بعد بحياة هادئة كطبعها ، فما زاد ذلك إلا دفعا للعمل على مسئولياتها ، واضطرابها فى الحياة إلى قوة خفية وتماسكا مع الأيام ، فكان نهارها جهدا وعملا ، وليلها لاتعرف جفونها النوم فيه ، كانت أمى لاتنام من الليل إلا القليل ، كل ذلك جعلها تحس احساسا قويا ، ولكنه غامض ، أن الأيام قد وفتها حظها وأنه جاء على غير ماتحب ، أو كما تمنت أن تراه ، فكان لها هذا مصدر ألم وحزن ، تعيشه وتقدره وتنتظره .

أمى ..
دائما أحاول أن أخفى مايبدو منى من عبرات تنساب من عيونى وتملأ جفونى ، كلما لامسنى شريط ذكرياتك رحمة ورأفة بمن معى وهم أولادى ، رغم أنهم لم يروا وجهك قط ، ولكنهم عاشوا روحك ، وغاصوا فى أعماقك دون أن تقع أعينهم على وجهك الجميل الصبوح ، فلا يمر يوم دون أن أتكلم فيه عنك ، فأنت الجزء الغائب من كيانى والذى لازلت أبحث عنه .. أمى كم تمنيت أن تكونين معنا بوجهك العطوف ليقاسمنا ــ كما كنا وكما كان عهدنا الدائم بك ــ لذة الأيام وقسوتها ، كم تمنيت أن يستمر حديثنا المسائى كل ليلة والذى كنا نصفو فيه مهما طال الليل بنا ولم يثقلنا أى هم ، ولم يضق بنا المكان ، وكان حديثا كله عن الذكريات .. ذكريات الماضى البعيد ، وأخلاقيات الناس وسماحتهم فيه ، ذلك ماتعلمتيه وعرفتيه وأخذتيه عنهم ، وها آنذا قد أخذته عنك وخاصة تكرارك للآية القرآنية (83) من سورة القصص التى جعلتها هدفى وميثاقى فى الحياة " وتلك الدار الأخرة نجعلها للذين لايريدون علوا فى الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين " .. ولكن سرعان ماأفيق على ترديد هذه الآية القرآنية العظيمة التى كنت ترددينها لى كثيرا مشفوعة بدعواتك لى بأن أكون مثلك محافظا على القيم والمبادئ ، وأن هذا خير من كنوز الدنيا ومافيها ، وكان منتهى أملك أن أكون لك عوضا فى هذه الدنيا عما جزعت فيه بالنسبة لأخى ، وعن ماحرمنا منه من طيبات الحياة بمثل مايستمتع به غيرنا سواء بالتفريط فى حقنا ، أو إنها إرادة الله وكنت دائما ماتقولين إن الذى عنده أبقى وأفضل ، وكان منتهى أملك أن ترى لى أولادا ، وكان وقتها أملا بعيدا رغم أننى كنت فى بداية عملى ، لكن مشاكل أخى كانت تحصد كل ماكنت أتقاضاه أولا بأول ، وكان صبرك يكاد ينفد فى هذا فقط ، ولكنى كنت دائما أثبتك وأقول لك إننا فى إبتلاء لانستطيع دفع شر ولا جلب خير ، وأن الزواج نصيب ، والأولاد رزق وكلها من عند الله ، وليس أمامنا إلا الصبر .. الصبر وحده ، فإذا بك تهدأ نفسك ، وتذهب للسكينة وترددين عبارة واحدة فى تكرار دائم "الحمد الله " لكن يابنى ماذنبك أنت فى كل هذا ؟ وكنت أقاطعك وماذنبك أنت أيضا فى هذا ؟ إنها إرادة الله ، وذهبت ياأمى وبقيت المشاكل وتهنا معها وأتذكر أن أبى أخذ يبكى عليك كالطفل الصغير وكأنما أحس بالضياع من بعدك ، وتوالت الأحداث ومات أخى فجأة وماتت معه مشاكله أيضا ، إلا من البعض منها أبتليت أنا بها مثلك تماما ، فكانت دعواتك لى تجليات أحسست بها ، تماما كإحساسى بأنفاسك التى كنت أجدها عند الشدائد ، وكان الشعور الأكبر والجائزة الكبرى بوجود الله معى و الذى هدانى إلى بر الأمان ، شعور لاأستطبع وصفه ، ولكننى عشته وكله بفضل دعواتك ودعوات أبى رحمة الله عليكما ، فلا أملك لكما من الله إلا الدعاء بكل العفو والمغفرة والرحمة والسكينة والمنزلة العليا فى الجنة .

أمى سلام ..
ومن يرد الجوابا
قد كنت ظلا فولى
وكنت نورا فغابا
كنت حلم الليالى
والروض والاكوابا
أمى .. ياأجمل كلمة رددتها اعماقى .. يانهر متدفق من الحب والحنان ، فلا أحد فى هذه الدنيا سيحبنا أكثر منك ، فأنت الشخص الوحيد من كل الدنيا التى تحبنا ، حبا حانيا دافئا وصافيا ، لاحدود له .. وبلا مقابل ، ذلك النهر العذب من الحنان الذى لاينتهى ولاينضب أبدا ، فحب الأم مستمد من حب الله وجزء من رحمته وحنانه وعطفه سبحانه ، مهما قلت فلن أوفيك حقك ، فأنت التى علمتينا معنى الحب والترابط ، وكيف يكون الإنسان إنسانا ، وكيف يكون الإنسان قويا مع نفسه ومع الآخرين ، وأنت التى علمتينا أن أرفع الرسالات فى الدنيا هو بناء الإنسان ذاته .. إنسان المبادئ والمثل العليا ، والأخلاق الحميدة .. علمتينا هذا بسليقتك وفطرتك وبنظرتك الثاقبة للأمور وبحسك الواعى القوى ، إننى لازلت أردد فى أعماقى قول الرسول الكريم عندما ماتت أم أحد صحابته (صلى الله عليه وسلم ) حيث قال له : " يافلان لم يعد لك أحد فى الدنيا " فسأل الصحابى الرسول : كيف يارسول الله .. حتى أنت ؟ فقال له الرسول الكريم : " حتى أنا "
أمــــــــي
توحشت فى غيابك عنى كل لحظة منذ أن ايقنت أنك لست بمؤنسى
فليس فى قربى منك سوى تبديد وحشتى وماأكثرها وحشة بعدك لاتتبدد
والله لاأجدنى إلا قلبا شيك بشوكة لا تنزع حتى ولو ملأت الدنيا بفيض مدامعى
وإن قلت أبصرها فى كل ركن كان لها متكأ قيل كيف هذا وقد حال الموت
عين بصيرتى
والله إنها تجلت منى حتى بدت وكأن البعث فى الدنيا لم يكن بمعجز
فأيقنت أن أمى منى لم تمت إنما هى رمز فى قلب شامخ
ستبقى أبدا ياأمى بنفسى خالدة حتى يدركنى الممات فتذهب
أمى .. سلام الله عليك .. حيث أنت .. آمين

من سوريا
أخي العزيز
**********
كلماتك بقدر جمالها وتأثيرها بقدر الحزن الذي بعثته في نفسي...
هكذا هي الحياة ..
لا بد من أن نفارق الناس الذين نحبهم لكن تبقى الذكرى زاداً لنا في أيامنا برغم ما تحمله من حزن..
رحم الله جميع أمواتنا وأدخلهم فسيح جنانه..
وكل عام وكا أمهات العالم بألف خير
لك تحياتي
***********