مســــــــــافر فى دمى
كانت هاميس كل صباح تبدو مستسلمة لأحلامها الوثيرة ، كان يومها وكأنه يتيه من الزمان منطلقا بنبض السعادة المكسوة بالنشوى ، أه لو كنت أعرف لغة الطير مثل سليمان الملك .. لجعلت كل الطيور تصطف صفين لتمضى بينهما مصغية وهى تغرد لها بأعذب الألحان .. أه لو كنت أملك سحر إيزيس ، أسطورة الحب الخالد وأسطورة الاساطير لغدوت بأجمل زهور الدنيا وجعلتها تفترش مملكتها الممتدة فوق الماء .. لكنت ملكت الدنيا ولشاع الدفء أوصالنا .. وأمتلأ إحساسنا بالنشوة وهى تتخلل ثنايا كياننا ، ولغمرتنا السعادة غمرا ، فأى سعادة وأى فرح يكون بعد هذا .. حينما يكون جوها العاطر جدولا ينساب منه ماء الغدير المنتشى برائحة الزهور النابتة على حوافتيه ، جوا يتغنى له الطيور المشرئبة بعطر الحب وكل البشر التى تملك حواسا مرهفة .. فيا لجمال دنيا السعادة وغبطة السرور الذى أحسه وكأننى أملك الزمان والمكان معا .

وقت الاصيل هو وقت لقائنا الدائم .. الوقت التى كانت تفضله وتحبه .. إنه وقت الحب الذى لم تمتد له يد الكآبة بعد ، فحين تبدأ الشمس رحلتها إلى مخدعها لنصف العالم الأخر .. تبدو وداعتها الغاربة وهى تلملم أطراف أشعتها النحاسية وتنحدر برقة نحو المغيب لتطفئ حرارتها فى افق النيل ، كأنها تستحى من الليل ، ومن جمال وجهها المشرق المتورد المستدير اليانع ، ومن تكعب نهديها ، ومن رشاقة قدميها ، ومن بريق عينيها الامعتين بإشراقة الحنين .. لقاء الأصيل هو وقت لقائنا الصافى ، حينما نجلس ، الف ذراعى حول خصرها الدقيق متعانقين تسبقنا دقات قلبينا لرحلة دنيا السعادة .. لأمسيات وليالى هادئة نمضيها معا .. تغمرنا المحبة ، وتأسرنا كل لحظة سعادة تمر .. أجد فيها نفسى وأنا ممسك بأصابعها الرقيقة بين أصابعى أو أضمها لأحضانى الدافئة .. أو أمشى معها بخطوات متأنية فى أى مكان على الأرض .. أو بعيدا فى أحلامنا .. فى جنة حبنا ومملكة مشاعرنا .

كانت هاميس تتفنن فى ارتداء ملابسها كل ليلة .. تلك الملابس التى اشتريناها معا وكانت تجسد بها أجمل ملامح أنثوية عرفتها فى حياتى ، فكانت تختال بها تيها ليس أمامى فحسب وإنما أمام كل من يصادفنا ولكنها تختال أكثر أمام صويحباتى كلهن ، قاصدة بأن تمتلئ أعينهن بالحسرة والغيرة . تنام قريرة العين بعد ان تتلقى أولى نسمات الفجر بإطلالته الزاهية الرائعة .. تضع رأسها على وسادتها فى الغرفة المقابلة لغرفتى بعد أن تتأكد أننى نمت ورحت فى ثبات عميق ، وما يلبث جفناها فى الالتقاء حتى تصحو فجأة مغادرة سريرها بكل حذر خشية أن توقظنى من نومى فتقلق على راحتى ، وبعد أن تغتسل وتصلح ماأفسده النوم من زينتها تعد لى طعام الإفطار ، ثم تعود إلى غرفتى وعلى سريرى بكل رفق وحنان تمس يدى وتنفخ فى وجهى وتطبع قبلة على جبينى .. قبلة الصباح الصامتة ثم تنادينى فى همس ملئ بالرقة والحنان : عصام قم أنا حبيبتك هاميس مالكة قلبك وحاضرك وماضيك .. قم ياأعز الناس وأجملهم وأرقهم .. قم يامن منحتنى السعادة والحب ، وتظل تردد أجمل احاسيسها التى تمنحها لى بسخاء ، حتى استيقظ من نومى لأجد مائدة الإفطار معدة على إحدى جانبى السرير ، ثم تبدأ فى إطعامى بيدها ويبدو وجهها بابتسامته الشفافة المشرقة لاتغادرها .. متطلعة إلى عينى ببشاشة وعمق لكى تسبر أغوارها وتترجم الكلمات الصامتة التى تنطق بها دوما .. فأجد كلمات أعرفها جيدا من نظرات الشوق الملح التى تكاد أن تلتهمنى ، نظرات تفيض بالحب والحنان والعطف تملؤها سعادة وغبطة عندما تحس بما لايدعو للشك إنها حقا تملأ كل فراغ فى قلبى وحياتى . كنت أذهب لعملى بعد أن تستودعنى بقبلاتها متمنية أن يمر الوقت سريعا حتى أعود إليها ، كانت تقضى وقت الضحى فى استرخاء على الكرسى الهزاز فى الشرفة تقرأ مايعن لها من الصحف والمجلات المتاحة ، وحينما يأتى وقت الظهيرة تبدأ فى إعداد طعام الغذاء ، كانت تتفنن فى صنع أطعمة لم أذقها من قبل .. أطعمة مصرية صميمة ، وكانت تجيد طهى الاسماك ، وكان للثوم مكانة فى أكلاتها والبصل التى قالت عنه أنه قاهر الموت والخس غذاء الملوك ، كنت أتقبل طعمها وخاصة الخبز والفطائرالذى كانت تصنع منها أربعين صنفاً من دقيق القمح والشعير ، مع إضافة العسل والسمن والزبد والفاكهة ، كانت فى كل مرة تصنع لى نوعا مختلفا عن سابقه من أنواع الخبز: وخاصة قرص القرابين الابيض ، أكلت كل ماصنعته يداها كأنه شهد . كانت حينما تفرغ من إعدادها لطعام الغذاء تبدل ملابسها بأخرى وتتزين منتظرة لحظة وصولى ، وما أن أصل تبدو عليها بشاشة الفرحة تطل من وجنتيها متمنية أن أخطف زهرة من رياضها الزاهرة ، فالتقم قبلة أشعر منها بقشعريرة تسرى فى عروقى . أتسلق قلبها من خلالها برهة حتى أقتات كل اللحظات المختزلة الحنونة فى حياتها .. القريبة والبعيدة ، بعدها تفيق من غيبوبتها اللذيذة أجدها هائمة .. سارحة وقد تبعثرت أمانيها المتعطشة لدفء الحب فوق صدرى لتسألنى : حبيبى جئت منذ متى ؟ تسأل وكأنها لاتدرى ماتقول ، ولاتنتظر إجابة .. اسكرتها لهفة اللقاء وحنيته ، إنها تبحث عن كيانها المختبئ وسط حقول صدرى ، أطياف جميلة تتعانق .. هالات فى عالم من الأحلام تتمازج .. إنها ملحمة الحب والعذاب ، أنتبه لأرد على سؤالها الشارد : متى ذهبت حتى أعود ياهاميس ، إننى لم أغادرك .. لم ابرحك بعد لحظة واحدة ، لقد كنت معى فى كل خطواتى ، كنت أجدك كامنة فى وجوه الناس .. كل سيدات العالم عندى هو أنت . وسادت لحظة كان سهم النظرات فيها عميقا وصامتا ، تسللنا بعدها بهدوء ، أنا ذهبت لتبديل ملابسى وهى إلى غرفة المعيشة كى تجهز الطعام الذى حان وقته ، وبعد تناولنا لطعام الغذاء كنا نتلاهى ببعض من الوقت فى أحاديث جميلة ونكات خفيفة ، لكننا أحيانا كنا نشرع فى الخروج ، وعند خروجنا كنا لا نخرج إلا لمرفأنا على ضفاف النيل . كانت تريد حينما نخرج للشارع أن تنطلق كما كانت تنطلق فى الوادى الفسيح أو تغوص فى أغوار الماء ، ولكنها لم تجد متعتها فى تحقيق ماكانت تريده ، لانها لم تتعلم بعد أن تعيش فى بقعة ضيقة من الأرض .. لم تتعلم أن تمشى فى الشارع وأن تتنقل بين السيارات وأن تقف عند علامات المرور وكانت عندما تسير فى الشارع تراه ضيقا جدا ، وكان يزداد ضيقا كلما توغلت فيه سيرا إلى الأمام ، حياة لازالت لاتألفها ولاتعرفها ، فقد أقامت مجدها كله فى ماء النيل .. على عرش وروده ونسماته ، فإذا خرجت منه .. تعثرت وأحست بالغربة ، لذا كانت دائما تشعر بغربة من نفسها ومن ماضيها البعيد وحاضرها التى لاترى فيه غيرى ، وأيضا من الناس التى تراهم حولنا ، كانت تتعجب منهم ومن عالمهم وكانت دائما تتساءل لماذا لايكون عالمكم مثل عالمنا .


ربما هذا الإحساس جعلها فى كثير من الأحيان تفضل عدم الخروج من المنزل حيث كانت تخلق لنا عالما من خيالها بعد أن تستأذننى للحظات تغيب فيها برهة ثم تعود فى ثياب فرعونية قصيرة ، واضعة على رأسها تاجا زاهى الألوان على هيئة زهرة اللوتس ، وتمد كلتا يديها متلقفة يدى بينهما قائلة لى : تعال معى الأن نرتد إلى الزمن الماضى ، إنك ستبدو فيه غريبا ولكنك ستشعر بى أكثر .. وستجد نفسك أفضل .. تعال لنغمض أعيننا عن عالمك هذا ، ثم تغض الطرف .. تغمض العينين الامعتين بلتماعة الضوء الباهر الذى لايرى إلا فى الأحلام ، ترقد فيه الجفون تحت أهدابها الطويلة فى دعة ، والشفاتان المكتنزتان تسيلان بحمرة طاغية .. كأنها صاعقة لمستهما فأحترقتا ، فجعلت شفتاى ملتسعتين دائما بلهيب غامض ، ثم تستجمع جسدها الذى يلهبه نار قلبها المتدفق وتبثه لأطرافها دما حارا وتلقيه فى جسدى .. ونسكت عن الكلام حتى يلفنا السكون وكأن روحينا قد اتصلتا فى عالم جديد لاهو عالمى ولاعالمها وإنما عالم من النورالذائب فى الأحلام والممزوج بجمال الطبيعة بالغ الجمال .. يرنو فيه القمرإلينا من بعيد فى شغف مطلا عبرظلال الأغصان المتراقصة على أنغام النسمات الصيفية الرقيقة لشجرة الكافور القائمة أمام الشرفة فتداعب أوراقها برقة وعذوبة متناهية ، حتى يغمرنا ضياؤه عبر بصيص الضوء المتسلل على أرض الحجرة .. يالها من طبيعة هى وحدها التى تستطيع أن تستشعر قيمة الحب وتتفاعل معه كى يغمرنا نعيمه غمرا .. ويملأ المكان حولنا .. بل دنيانا كلها .. عشقا وأملا .

ظلت حياتنا الجميلة تتراقص على أنغام العشق الوردى اللامحدود ، حتى جاء يوم وأردت أن افاجئها بما اتفقنا عليه ، كانت الفرحة تسبق خطواتى اللاهثة وراء سعادتى الممتدة عبر نشيج الأمل المرتقب والرجاء المنتظر ، فاليوم سأقدم حياتى هدية لها .. سأربطها بالرباط المقدس ، دنوت منها : هاميس أتقبليننى زوجا أهبك نفسى وعمرى ، ردت والفرحة ترتسم على وجهها حمرة انخفض معها صوتها : كيف تسأل فيما تعرف وماذا عساى أن أقول والمسئول ليس بأعلم من السائل ، انفرجت أسارير وجهى وصحت فى وجهها : أهذا يعنى أنك موافقة ، هزت رأسها لأسفل ، لمعت معها عيناى ، وقفزت فرحا كعصفور يريد أن يرقص فى الهواء .. يقفز بين الأشجار والأبنية العالية وأعمدة الكهرباء ، إننى أرى ظلى يمتد ويمتد حتى لامس السماء راقصا .. لاهيا .. مغردا .. متخلل السحاب .. متأرجحا على حبال الريح .. راقصا فى الطرقات أنشد الأمل الذى أصبح اليوم حقيقة ، إن ارتباطى بهاميس لم يكن بحاجة لموافقة ، فلطالما تعاهد قلبينا آلاف المرات ، ولكنه الحب المتعطش دائما للكلمات التى تؤكده وتحميه وتنثره على ضفاف العشق وشغاف القلب . عدت لتوى فتنبهت وتذكرت ماأعدته لها من مفاجأة ، هرولت قدماى لماكنت أحمله معى وحاولت أن أخفيه بعضا من الوقت حتى أرى وقع المفاجأة عليها ، علبة الشيكولاتة والعقد والدبلتين، كنت شديد الامتنان وأنا أضع علبة الحلوى بين يديها : هذه علبة شيكولاتة أحضرتها لك ، قالت : لى أنا ، قلت : نعم لك وحدك ، ضحكت وقالت : مادامت لى إذن سأفتحها ، قلت : ليس قبل أن نتناول طعام الغداء ، وعندها ستكون هناك المفاجأة ، قالت : أليست هذه هى المفاجأة ، قلت لها : نعم المفاجأة شيئ أخر كان حلما وأصبح واقعا ، ثم انحنيت وقبلت يديها ، سألت : منذ متى ؟ قلت : منذ زمن طويل لاأعرف كيف مر ، ولكن من الأن سيتحقق وسينهض من ثباته العميق ، ثم همت قائلة : إذن اتركنى الأن كى أعد لك الغذاء ، وبعد أن تجاوزت بعض خطواتنا المسير ودون أن أدرى حانت منى التفاتة عفوية نحوها فوجدتها هى الأخرى ملتفتة فى نفس اللحظة كأن قلبينا هما بالنداء الخفى ، كانت ترجمته أن ارتدت خطواتنا بعنف وبحركة لاشعورية وكأننا أمسكنا طرفى حبل من المطاط فشددناه معا ، أنا وهى .. وكلما تباعدنا ، التحمنا من جديد ، تهاوت برأسها رخوا على كتفى ، ورحنا كأننا غائبين عن هذا العالم فى بؤرة متوهجة مقفلة على أحلام تسكب من أحلام انفلتت خيوطها .. كان عالما جميلا ، أغمض عينى فيه فأجد ماأريده ، واللحظة تمتد .. تكبر .. وأنا أتوق أن أبقى .. لاعودة إلا إليها ، إنها نبعة متفجرة يانعة .. فجر مولود من ليالى هادئة .. إبتسامة تندس بين شفاه محمولة على غصن مائل . أفاقت هاميس من غفوتها الساحرة حين استدارت بوجهها إلى الناحية الأخرى .. شعرها الحالك مبعثر فوق خديها .. تتأملنى فى المرآة المقابلة ، أما أنا فتنبهت على همس أنفاسها المنتظمة .. وعطرها الجورى الذى خدرنى .. نبهنى لإزاحة شعرها عن خديها المتوردين كخد زهرة .. ليغرينى بطبع قبلة جديده عليها ، استشاطت لها أنفاسها ، فأطلقت آهة جازمة ، فزعت إلى .. ارتمت على صدرى من جديد لتوقف العاصفة .

وأى عاصفة تهدأ مع الأيام .. وكم من الأيام مرت هبت عليها عواصف الحب العارمة فأخذ ت معها كل شيئ .. قلبى وعقلى ووجدانى .. وكم من الليالى مرت على هذا الحال كأنها الحلم الجميل الذى لاأريد أن أفيق منه . ماأجمل لحظات الحب التى انستنا الغذاء ، وأنستنا أنفسنا ، بل وانستنا كل شيئ ، لم أدر بنفسى إلا على صوتها : عصام لقد غفوت عن أعداد الطعام ، قلت لها : بل أنت طعامى الذى لن أشبع منه أبدا ، وعلى كل سيكون طعامنا اليوم علبة الشيكولاتة ، ثم هممت بإحضارها ووضعتها بين يديها ، أخذتها ورفعت غطاءها ، فوجدت قطعا من الشيكولاتة مصفوفة بكل أناقة ، لمعت عيناها وغمرتها فرحة طفل محروم . قبضت على طرفى العلبة وتفحصت محتوياتها باهتمام شديد ، ثم أخذت واحدة منها وقضمت نصفها ومدت يديها بالنصف الآخرإلى فمى بعد أن أطبقت عليها بشفتيها.. كانت يداها تهتزين كأنهما غصن بان ضعيف ، اغمضت عينيها، واستسلمت للذة الشيكولاتة حتى تذوب فى فمها مهمهة مغمضة العينين من شدة الاستمتاع قائلة : ها أين المفاجأة إننى أتوق لما تحمله لى من مفاجأت انتظرتها منذ ألاف الأعوام ، فقلت لها : فلتبق هكذا مغمضة العينين اللتين طالما غصت فى بحورهما ، ومع ذلك كنت أغرق .. أغرق .. أغرق ، كنت الغارق الوحيد وانتشالى منك وفيك حياة .. عمرا هو لك وسيبدأ من اليوم .. بل من الليلة ، بل من الأن ، اسمحى لى بلحظة واحدة ، ورحت أدس يدى فى جيبى وأخرجت منه العقد لأطوق به عنقها الجميل ، وفتحت عينيها وهى تلمس العقد وبادرتنى معاتبة : لماذا كلفت نفسك ياعصام ، قلت لها : هاميس كان لابد أن أحس بطعم أجمل لحظات عمرنا ، هذه اللحظة ، قالت : ليس بالضرورة أن تحضر لى عقدا غاليا بهذا الشكل ، قاطعتها : هاميس لابد أن تعلمى أن ثمن العقد عندما كان فى يدى كان مجرد أموال مثلها مثل أى أموال ، ولكن عندما تحول لعقد على صدرك أصبح حلما تحقق لى ، صحيح أنه ليس كحليك الملكية التى تمتلكينها ، ولكن هذا العقد وأنت ترتدينه يساوى عندى الدنيا كلها ، قالت : عصام هل تعلم كم أنا أحبك ؟ قلت لها : كم ؟ قالت : إننى أحبك حبا لايعرفه البشر، حبا كبيرا أضعف أمامه .. ولكنى أقوى به ، وأكون أكثر قوة فى حمايته ، والحب عند المرأة قد يختلف عند الرجل ، فالرجل قد يضعف أمام إمرأة جميلة ، ولكن المرأة لاتضعف إلا أمام حب حقيقى قوى وصادق مثل حبنا .. إن اليوم الذى لم أرك فيه أموت فيه مائة مرة .. الكلمة على لسانى تموت .. الضحكة فى قلبى تموت .. الدنيا من حولى تموت ، إنما شيئ واحد فقط هو الذى يجعلنى أعيش ، فقلت لها : ماهو ؟ قالت والدموع تغالبها : عندما أرى الحلم الكبير فى حياتى وقد أضاء الدنيا من حولى ، هو أنت .. أنت ياعصام ، قلت لها : أنا أيضا أحبك .. قلبك زنزانتى ، حبك هو اختيارى الوحيد ، لاترتاح أحداقى إلا على أحلام تنثال من أحلام هو أنت ياهاميس ، قالت : حبيبى لقد كدت أنسى طعم الحب حتى جاءت عيناك لتبعث كل جروحى التى اندملت وأصبحت أطلالا يحملها ذاكرة الزمن ، جئت لتقلب لى موازين حياتى بعد أن كانت مستقرة ، جئت فتسربت لى من كل شيئ .. حاولت طردك ، فتكسرت كل راياتى ، واهتزت كل خلاياى فى كل مرة كنت أنظر فيها لعينيك أوأسمع فيها صوتك ، كنت أريد أن أمارس لعبة الجلاد معك ، ولكننى كنت أحس باللسع على كيانى وروحى ، كنت أعتقد أن المتعة الحقيقية فى حيرتك حتى أستعذب عذابك فى حبى وتكون أكثر احتياجا لقلبى الذى يعشقك ، ولكننى وجدت عذابك أهون من حيرتى ومن لهفتى ومن غرسك فى قلبى ؟ لست أدرى كيف تغلغل نصلك إلى هذا العمق فى روحى حتى أكتشف كيف أذوب فيك شوقا ، وتتوق نفسى لأجمل صورة عندما ينام رأسى على صدرك بخضوع جميل ، وعندما تنام يدى براحة يدك الدافئة ، أنسى الخوف الذى اكتنف حياتى ، وأطلق أحلامى طول العمر وعمق الزمان ، هكذا أنا ياحبيبى تصورت أننى أحمى نفسى من الألم ، ولكننى أكتشفت أن الهروب هو الألم ، والاستسلام خلاص منه ، هل عرفت الأن ماالذى دفعنى من الهروب من أهلى ؟ إنه الهروب منك وإليك ، هل دريت كم أنا أحبك . وقلت لها : وهل قدرتى كم أنا أحبك ، إنها أجمل لحظة فى حياتى .. لحظة المكاشفة .. لحظة الإذعان والإستسلام والخضوع لإرادة طرفين .. هما أنا وأنت ، إنه الحب الذى لايستطيع أحد أن يمنحه لأحد بل هو الذى يختار على من سيهبط .. وعلى من سيبقى .. وعلى من سيعيش ، إنها لحظة تساوى عمرا .
ساد الصمت لحظات الاستسلام الجميلة استلهمت منها أن أدس يدى فى جيبى مرة أخرى ، ولكن هذه المرة كى أخرج الدبلتين ، تهلل وجهها فرحا وهى تستقبل رباط العمر أمسكت يدى وألبستنى دبلتها ، ثم أعطتنى يدها دون إرادة منها وكأنها تسعى لتكبيلها فى طوق حياتى .. ألبستها دبلتى ، تعلقت عيناها بأهدابى بنظرة كانت الأجمل .. حيث يشع منهما ضياء غريب لم أره من قبل .. ماأجمل بريق عينيها وهى تحس أن الدنيا لاتسع أمانيها وأحلامها من الفرحة الطاغية ، حيث بدت عليها نواجز الفرحة المغتبطة دفعا بكل ما أوتيت من سعادة ، كل هذا أعطاها إحساسا بأن الحياة مقبلة عليها ، بل دنت منها أكثر فأكثر ، أجل أن ليلة زواجنا ستكون ليلة من ليالى العمر مليئة بالمباهج والسرور ، إنه اليوم التى سوف تختال فيه كأميرة تجلس بين الجوارى والوصائف وقد أحطن بها كما تحيط الهالة بالبدر فى كبد السماء تنتظر فارس أحلامها الذى سيحيلها إلى عالم أخر ترى فيه النور وقد امتزج بحنين الشوق داخلها ، ذلك ماكانت تتمناه وتضمره طيلة عمرها الممتد عبر عقود طويلة تعبت من عدها ، يالها من ساعات هى أجمل مافى العمر . أغمضت هاميس عينيها ولاحت فى مخيلتها كل ماتكبدته فى سبيل شعورها بالسعادة ، تسارعت الصور فى مخيلتها وتذكرت كل الأوقات العصيبة التى قضتها وهى تدافع عن حبها ، وتذكرت أيضا كل الأوقات التى قضيناها معا فى حلم جميل تريد ألا تفيق منه ، وأخذت تذكرنى بكل المواقف والطرائف التى تعرضنا لها ونحن فى أوج السعادة التى اكتمل شذاها بهذه الليلة .. إنها الأجمل من ليالى العمر .. ليلة من ليالى ألف ليلة وليلة الساحرة .

أفقت من حالة الفكر العميق معها والعود من أبعد مكان للخيال على سؤالها : ها ماذا ستفعل بعد ذلك ، إننى أزداد شوقا على شوق ، أريد استعجال الوقت واختصار الزمان ، إننى أحس إحساسا غامضا يجعلنى فى حالة خوف شديدة على سعادتى التى تسبقنى بخطوات كبيرة ، أريد ألا أراها تسقط أمامى وألا يغدر بى الزمن مرة أخرى ، أريد ألا اتحسر على حبى ، بل أريد أن أكمن فيك .. ومن العيون أسبح لدنياك ، أريد المرفأ ، لقد تعبت من الابحار وسط الغيوم ، قلت لها : غدا سأحدد موعد الزفاف وأحضر المأذون كى نعقد القران ، وغمرتنا الفرحة التى امتدت إلى عمق الليل ، نتكلم ونغنى معا : حاجة غريبة الدنيا لها طعم جديد .. حاجة غريبة أنا حاسس أن دى يوم عيد .. وأنا حاسة الدنيا هربانة ويانا فى ليل كله سعادة ..علشان إحنا مع بعضينا ولاحدش بيطل علينا غير فرحة قلبينا وعنينا ، تعرفى ياهميس قبل أن أراك لم يكن لدى إحساس بأى شيئ ، إنما الأن كل شيئ أصبح له طعم ومعنى ، قالت : نعم أنا حاسة إن الدنيا أصبحت ملكا لنا .. السماء الصافية تغنى مع فرحة حبنا .. ومن أجلنا .. أنت وأنا ، إحساس الليلة غريب لم نألفه قبل اليوم وشعور جميل لم نعرفه .. ولم نصادف مثله فى حياتنا ، لو كان حلما لتمنينا أن يطول حتى نظل نحلم طول العمر .

وذهبنا للنوم ، ولم ننم ، حرمتنا سعادتنا الطاغية من أى إغفاءة ،الفكر شغلنى بقدوم السويعات التاليات لليوم الذى قارب صباحه الوليد على الاستشراف ، فلازال أمامى مهام كبيرة.. أما هاميس فقد تنفست الصعداء ، ولم تمكنها سعادتها من النوم ، فقد أخذ الشعور باليقين إلى قلبها بأن أحلامها وآمالها بدأت تتحول إلى حقائق حلوة جميلة ستملأ بها كل أرجاء دنياها الخصب بعد أن كانت بورا ، وأخذت تحدث نفسها وكأنها تحدثنى : إننى سأجد نفسى فى عهودك .. سأتخطى بك سنوات الألم .. وعهود مابعد الطعنة والمحصنة بالصفعات . الأن وجدت الحب .. جاء من أوسع أبوابه ليسقط جدرانى المنيعة الواحد تلو الأخر ، إنه سطو وسحر الحب الذى لايخضع لأى منطق ، الأن سأكون معك إنسانة أخرى .. إنسانة جديدة تنسف الذكرى فلا يبقى منها أثر ، وسأتعود على عالمك ، لأننى سأولد من جديد فى نظرة عينيك . ولفنا رداء الفجر الندى بجمال ورقة نسماته لإشراقة يوم جميل من أيام وليالى القاهرة الساحرة ، وغفونا إغفاءة الورود انطلقنا فيها لدنيا الأحلام .
وإلى اللقاء فى الجزء الأخير
مع خالص تحياتى : عصـــام القاهرة فى يوليو 2009
من مصر
لا يوجد اجمل فى الحياة من لحظة حب صادقة تجعل القلب يولد من جديد ينسى معه الالم والجراح نعم الحب لا نختاره ولا يستطيع احد ا ان يمنحه الى الاخر هو الذى يختار على من يهبط وعلى من سيبقى
ما اجمل العالم الذى نصنعه من الخيال ولكن عندما نفيق نصدم بالواقع بكل مافيه
اخى العزيز عصام
ماا جمل قصتك رائعة تاخذنا الى عالم الاحلام والخيال قصة اجمل من الف ليلة وليلة
ما اجمل الحلم الورودى
ان تجد قلب يحتويك ويكون لك هو الحياة
احيك على سردك الاكثر من رائع وراقى
اشكرك لانك اخذتنا معك ولو لحظات الى عالم الخيال عالم لا يعرف غير الحب
الرجل او المرأة اذا عرف الحب الحقيقى الطريق الى قلب كل منهما وان يكون حب متبادل هنا تبدء احلام العشق الوردية وتكن بداية الحياة
لو كان حلم لاتمنينا ان يطول ياعزيزى
ما اكثر الاحلام التى نتمناها ولكن مع الاسف لم تجد لها مكان فى عالمنا الذى لا يعترف دائما بمنطق الحب
باقى نسمع اغنية مين ياقلبى يجى له نوم فى ليلة حلوة مع احلامك الوردية وعودة هاميس كيف يأتى لها نوم وهى فى سعادة وعرف الحب طريق قلبها
دمت بخير وسعادة
ارق الامانى
فى انتظار الانتهاء من هذه الرائعة
وكفاية كدا على هاميس