معرض رسوماتى
رسومات من صنع الخيال والحب

وفاء إيزيس .. وعودة هاميس ( الجزء الثالث )

روعــة الحب
وجدت نفسى أصحو فجأة فى ساعة مبكرة خلاف عادتى .. أحاول إستعادة اتزانى من الهوس الذى كنت أعيش فيه أو تعايشت فيه بفضل إحساسى بالوحدة التى أصبحت تثقل على ، وكنت أفقد معه الإحساس بالسكينة والهدوء . أخذت حماما باردا كى أحس بانتعاشة تطرد كل إحساسى بهذا الملل الذى بدا مسيطرا وجاثما على صدرى ، وفى لحظات ارتديت ملابسى وهممت النزول لعملى ، وقفت فى انتظار السيارة . فجأة وجدتها أمامى ، أحسست بالروع والهلع ، حتى ربطت ماكنت أظنه حلما بالأمس بالذى أراه أمامى الأن حقيقة ، رباه .. إن ماحدث بالأمس ليس بحلم بل هى الحقيقة .. الحقيقة المؤكدة . كانت واقفة غير بعيدة عنى .. اجتذبت نظرى من جديد فى محاولة أخيرة لتأكيد إحساسى بأن ماأعيشه حقيقة .. دنوت منها أكثر وفى تطلع لملامحها قلت لها : أنت لست حلما .. أنت هاميس فعلا . ردت بابتسامة ولم تتكلم ، بدت اليوم كتحفة رائعة .. إمرأة وهبتها الطبيعة كل ماتبغيه المرأة من جمال الوجه وفتنة الجسد ، أخذت ابحلق فيها وكأننى لم أطبق شفتاى على شفتاها منذ ساعات قليلة وقلت لنفسى : يالها من إمرأة تنسى المرء كل شيئ .. الماضى والحاضر والمستقبل .. تجعل الدنيا تتحول فى لحظات إلى غفوة حالمة . دنت منى وقالت : عصام صباح الخير ، ها نمت كويس ؟ رديت عليها بإرتباك دون تفكير : أنا .. نعم ، أنا أصلا كنت أحلم ، لا ، كنت أراك .. إننى لاأدرى ، ماهذا الذى يحدث لى . ضحكت على حالى ، وقالت بهدوء وفى استنكار  : أنت نسيت كل اللى قلته لك .. نسيت الأتفاق ، عموما أنا هبدأ المهمة الأن ، وعلى فكرة نسيت أن أقول لك أمس أنك الوحيد الذى سيرانى ، فلاأحد سيرانى غيرك ، لأاحد ستقع عيناه  ولا يسمعنى آذان .. سواك أنت ، سأبقى لنظرك وحدك  حبيبة .. رغما عنك ، وسأظهر لك كما الخيال، سأمشى أمامك أحيانا باتزان .. وأحيانا سأجرى بلا حساب .. وممكن أطير .. سأوشوش فكرك بشقاوتى  .. مش هتعرف تسيطر على حركاتى .. ههوسك بجمالى .. وهدلعك بدلالى .. هنسيك حياتك وعذابك ، وصدقنى معايا مش هتعرف بكرة من امبارح  !سكت .. لاصوت يعلو على دقات قلبى الذى أخذ يدق فى صدرى بعنف ، ثم ران علينا صمت عميق لبعض من الثوانى ، وأدارت هاميس وجهها نحوى متعجبة صمتى الذى  تصورت ألامبرر له : مالك ساكت ليه ، فقلت لها مستهجننا : وهل هذا يعنى أن الناس الأن لاتراك وترانى وأنا أكلمك ، ربى .. أتعلمى ماذا سيظنون ؟ قالت وعلى وجهها الغيظ  الشديد المطبق : هذا ماهمك فقط ! ثم قالت بتنهد : ماذا يظنون إذن ؟ ياخسارة .. إلى هذا الحد ضايقتك وستكون مجبرا على مرافقتى ؟ قلت لها فى محاولة أفهامها ماالذى سيترتب على هذا الوضع الغريب : لا ياستى الناس ستظن أنى مجنون فقط ، ردت فى استغراب : وإيه يعنى ، لو بتحبنى كان لايهمك كل هذا ، كل المحبين مجانين ، ظننتك تحبنى وستكون فرحانا بجنونك بى ، ألست أنا أيضا أحبك ياعصام ومفتونة ومجنونة بك . عدم اكتراثها بهمى أصابنى بالغيظ أيضا رغم عذوبة وحلاوة وطراوة كلامها مما جعلنى أقاطعها : إذن تفضلى الأن ، فالسيارة قد جاءت ، قالت إننى سأذهب معك ، قلت : معى إلى أين ؟  قالت : معك فى عملك ، قلت لها راجيا : أرجوك إننى أريد الذهاب لعملى ، قالت : لاتخف .. لأحد سيشعر بى . اضطررت الصعود للسيارة وفى خاطرى سؤال واحد : ماذا أفعل الأن ؟ وهل ستلتزم بما قالت ، أم تجعلنى فرجة للكل ، وأين المفر إذا مافعلت مايدور بذهنى . أحسست بالعرق يتسلل إلى كل جسدى ، فرحت أسب وألعن ، ثم قلت لنفسى : ماذا سيحدث ؟ لو تلاعبت هامييس بى أمام زملائى ، وكلمتنى وقمت أنا بالرد عليها .. عندئذ ستكون الكارثة ، وبدأت هامييس تتنقل من مكان لآخر ، حتى أستقر بها الحال بالجلوس على تابلوه السيارة عكس أتجاهنا ، تركزت عينى عليها مخافة المفاجأة ، فأنا الأن لاأثق فيما ستفعله ، ثم أخذت فى أفعال طفولية .. تلامس أذن السائق ثم أنفه الكبير ، بداية الأمر كان شيئا عاديا ، بدأت  أحس بضجره  وبدأت تصدر منه انفعالات عفوية مهمهما : هو فيه إيه النهاردة ، حاجة تزهق . كررت هاميس مافعلته مع السائق مع بقية ركاب السيارة ، أخذت تتسلى عليهم وتضايقهم ، بدأت أحس بتأزم الموقف وبأننى مقبل على مشاكل ربما تعصف بى ، فبدأت أشاور لها خلسة حتى لايرانى أحد متمنيا بأن تكف عما تفعل ، ووجدت الانظار تتجه لى فى استنكار مما حدا بزميلى الذى يجلس بجوارى ليقول لى : ماهذا الذى يحدث ؟ وأنت كمان مالك اليوم ، أنت بتشاور لمين ؟ قلت له فى محاولة درأ شكه : لا ، أبدا الجو اليوم حار ، والواحد مش مستحمل نفسه ، وقلت فى نفسى أه إنها مشكلة إذا كانت قد فعلت ذلك فى السيارة ، إذن ، ماذا ستفعل فى المكاتب والردهات المؤدية للمكاتب ؟ أشتد غيظى  ، ولكن ماذا أفعل الأن غير أن استسلم لمصيرى الذى ارتبط بها فجأة ، رغما عنى . وما أن وصلنا لمكان عملى حتى ألقت بنفسها من السيارة دون أن تلمس سلمة واحدة ، وسارت بجوارى أحيانا تسبقنى بخطوة وتنظر لى  .. وكنت فى جميع الأحوال ألمس يدها .. وأسمع صوتها الذى كان يسحرنى .. وأملأ عينى من جمالها ، ودلفنا إلى المكتب وأنا ينتابنى شعور غريب ، كيف سأوفق بين حديثى مع زملائى ومع هاميس ، كيف أعيد توازن نفسى كلما فعلت شيئا غير طبيعى ، والحق لم تمهلنى التفكير كثيرا ، حيث فعلت كل شيئ يدعو للضجر والعبث والصخب .. فعلت كل مالاأتمناه ، ربما عدم اكتراثها .. أو جهلها بهذه الحياة الغريبة عليها ، أو قد تكون هذه هى طبيعتها كما أفهمتنى ، كان أصدقائى يلاحظون أننى أنظر فى اتجاه واحد معظم الوقت ثم ألتفت فجأة ، والحقيقة أننى كنت اتحدث إليهم ونظراتى على هاميس .. هاميس رغم ماتفعله بى ، إلا أنها بلاشك قد سحرتنى  بجسدها الممشوق أمامى ، وقد شعرت هى ذلك وخاصة كلما تدنو منا فنظراتى تذهب إليها وتهبط إلى صدرها .. الذى كان يبرز فى إغراء مثير خلف ثوبها الفرعونى واسع الصدر ، وأحسست برعشة تجتاحنى ، وأحدث نفسى عن جمالها الطاغى الذى كان يستوقف نظرى فى كل مرة أنظر فيها إليها ، حيث اكتشف ملمح جديد فى جمالها الفطرى الذى لاحدود له ، واتنبه فجأة على شقاوتها التى بدأت فى الظهور بقوة ، كانت لاتكف عن مطاردتى بين لحظة وأخرى ، وأخذت تفعل الأشياء التى كان يراها زملائى إنها غريبة مثل فتح وغلق الأضواء .. كانت مبهورة بمفاتيح إنارة المكتب وأجهزة التكييف والكمبيوتر الموجودة على المكاتب وأيضا المقاعد المتحركة التى كانت تجلس عليها وتدور بها سريعا وبشكل مستمر حتى اشعرتنى بدوار من دأب متابعتها لها ، وكانت مغرمة بتحريك الأشياء من مكانها ، هنا أيقنت أن هذا اليوم لن يمر بسهولة ، وقررت أن استأذن من العمل وآخذها من هذا المكان .
 
 
قمت من مكانى ، فقالت لى فى دهشة : إلى أين أنت ذاهب .. تعال إلى جانبى ، فقلت لها فى صوت خافت : نحن سنذهب من هنا ، فأطلقت ضحكة عالية وقالت : هتنصرف مبكرا ، أنتم غيرنا ، نحن كنا نقدس العمل ولا يمكننا الإنصراف إلا بعد تأديته ، ثم رأيتها ترسل لى قبلة فى الهواء وهى تضحك ، توسلت إليها بأننا لابد مغادرة هذا المكان فورا وإلا مستقبلى سيضيع و سأحل ضيفا على مستشفى الأمراض النفسية والعقلية بالعباسية ، أومأت برأسها لتبدو الموافقة رغم عدم قناعتها بتصرفى ورغبتى فى الانصراف ، وغادرنا المكتب ، بل المكان كله .. وخرجنا إلى الطريق .. كان الوقت لازال مبكرا ، فاتجهنا إلى حيث لاأدرى ولاأعرف إلى أى مكان تقودنا أقدامنا ، وكنت أريد أن أنسى كل ماحدث لى منذ الصباح .. وأنسى هذا العذاب ، وخطر ببالى أن انحنى بها من ميدان التحرير إلى كوبرى قصر النيل ومنه للنيل مباشرة ، كانت عيناها زائغتين متلفتتين هنا وهناك ، بدت وقد أذهلتها حركة السيارات بضجيجها المتواصل ، كما بهرتها العمارات الشاهقة بفخامتها ، كانت تقف مدة فى استغراب مشوب بالدهشة تطالع واجهة الفنادق  والمتنزهات والحدائق والممرات المؤدية لضفة نهر النيل الغربية في المنطقة المجاورة لكوبري قصر النيل ، وأيضا حالة الذهول التى بدت عليها عندما رأت الكباري العلوية التى تعلو هذه المتنزهات ، والتى تصل بين الشارع والمداخل العلوية للعائمات النيلية ، بما عليها من مطاعم وملاهي فاخرة ، والتى تكاثرت بشكل ملفت للنظر علي ضفاف نهر النيل في القاهرة وقد يكون ممتدا بعد ذلك علي طول الضفتين ليشمل القاهرة وغيرها من المحافظات التى يمر فيها النيل ،  تمنيت أن نجلس معا على ضفافه ، وأغرق فى عالمها الذى لازال كله عالم من خيال وهوس ، وكانت ضحكاتها تملأ المكان حولنا ، حتى  أنتفضت فجأة مجرد أن وقع نظرها على النيل ، فانخرطت فى نوبة بكاء هستيرى ، لم أتبين أسبابه فى حينها .
 
 
كانت مضطربة .. غاية فى الاضطراب .. حائرة فيما تود أن تقوله ، ولكن صرختها كانت تسبق محاولة الكلام ، كانت نظرتها تجاه النهر الذى بدا شاحبا أمام  عينيها ولطالما كانت تراه فى الغابر عظيما ، الأن أحست أنها تقف على أطلاله .. لقد رأته انقاضا ، رأته شبحا .. شيخا كبيرا هرمته الأيام وهزمته  بعد أن عاشت سنوات وسنوات فى أحضان شبابه ، أحسست معاناتها ، أدركت مدى الهوة السحيقة لحال النيل المهيب أبان حياتها  وبين النيل الشبح المريض الذى يئن أمامها الأن .. أصوات صادرة من جراء أنشطة المنشآت النهرية العائمة ، رائحة النيل تزكم الأنوف من جراء القاء الصرف الصناعى والزراعى أو صرف هذه المنشأت عليه ، إنها أبشع  صورة من صور التعدي علي نهر النيل والصور الأخري كثيرة لاتقل سوءا من سابقتها .. إشغالات ظهرت في غفلة من القانون .. تعديات حصلت علي تراخيص وأصبحت قانونًا مشروعا ، إن علاقة الناس بنهر النيل في مصر أصبحت وكأنها علاقة غير مشروعة ، نهر يحمل هموم ومخلفات أجيال ، سلسلة من إهمالات وتعديات تظهر آثارها فجأة ، لتعطى انطباعا بعدم وجود تقدير يتناسب وهذا النهر العظيم ، علاقة تحتاج إلي مراجعة وإلي تحكيم العقل والضمير.
 
 
نظرت لوجهها كأنما أود أن أقول لها صدقت ياهاميس ، إن هموم النهر أصبحت لاتخفى على أحد ، ونحن جميعا شركاء فى مسئولية هذا العمل الإجرامى الذى يرتكب كل يوم بل كل ساعة و دقيقة وثانية فى حق هذا النهر العظيم . أردت أن أعرج بها عن هذا المكان الذى سبب لها كل هذا العذاب ، وكان ردها سريعا لايحمل كلمات ولكن نظرة .. نظرة حانية والدموع فى عينيها وهمست : عصام إننى أحب هذا المكان ولن أغادره ، فأنا أهوى النظر إلى النيل ، بل أفتتن به إننى سأشعر بالراحة حينما أطل بنظرى عليه من أى مكان ، ولكن حدثنى أنت عنه وكيف وصل به الحال هكذا ؟ عصام : ألست تحبه مثلما أحبه ، ألم تفتتن به ، إننى أريد منك أن تعيش فى عالمى لأننى أحس بغربة عالمك ، وتأكد أنه سيكون أفضل لك ولى ، ستشعر والعظمة تملأ جوانب نفسك ، وتفخر بمصريتك وعندئذ سأكون قريبة منك ، تضمنى إلى صدرك .. وتحتوينى بقلبك ووقتها أتركنى أحلم كما كنت أحلم ولكن من خلالك ، إننى عشت وحيدة فى حياتى ، عشت حياتى كلها مجرد حلم  ، فلا أقل من أن أحلم معك هذه المرة ، فحياتى كانت وستبقى حلما ، فاجعلنى استرق من الزمن وقتا أرى فيه عالمى من خلالك ، وصدقنى لو قلت لك أن الشعور بالوحدة شيئ مخيف ومفزع أن تظل تعيش حبيس أفكارك وحدك منعزلا ، لاتناجيك فى حياتك نفس أخرى ، ولاتعجب من طلبى هذا ، وعلى كل هى محاولة ، أننى أعلم جيدا أن أخذك من هذا الزمان شيئ يصعب تداركه بالنسبة لك ، لكن دعنى أؤكد لك أنه ليس بأصعب من قسوة زمانك الذى تعيشه والذى أراه أنا هكذا ، عموما تذهب معى .. أو أبقى أنا فى عالمك ، شيئ لايهم ، المهم أن نكون معا .. نذهب إلى عالمنا المتفرد ونحلم ونحلم ونحلم . ثم ران علينا صمت عميق وأشاحت هاميس بوجهها نحو النيل ، وكان بقايا شعاع الشمس المتجه للمغيب يلقى على جانب وجهها وشعرها الجميل ضوءه الشاحب ، فتبدو كأنها لوحة حزينة رسمها فنان عبقرى ..
 
 
 واصلت هاميس حديثها مرة أخرى ، تبدو وكأنما تريد التغلب على أحزانها بأن تستأثر بالحديث كله وحدها .. تشغل به نفسها .. من دونى ، للدرجة التى ظننت أنها لاتريد أن تفرغ من حديثها الفضفاض عن عالم الأحلام والحياة الوردية الرومانسية التى تتمناها ، لهذا اكتفيت أنا بالنظر لجمال تعبيرات وجهها الغارب مع شمس الأصيل وقد تحول مابين مواصلة الحديث والصمت والحيرة والدهشة ، كانت عندما تتعب من الكلام تصمت ، وعندما تصمت تتكلم عيناها التى كانت تسبقها الدموع ، وكان التقلب مابين الحدة والعذوبة سمة حديثها ، فعندما تسكت أعرف أن هاميس شاردة فى عالمها الأخر ، فكنت أمد يدى وأدر وجهها ناحيتى ، فأرى مزيدا من الدموع العالقة على أهدابها ، تبدو كحبات اللؤلؤ فى عينين لامعتين .. دموع حقيقية يتمزق قلبى حنانا عليها ، لكن ماذا كان فى وسعى أن أفعل لها وأنا من زمن وهى من زمن أخر؟ كنت لاأجد أمامى سوى أن أربت عليها بحنان ، فتنتبه لتمد أناملها وتمسح دموعها ثم تحاول رسم ابتسامة .. وتعود للتطلع إلى فى حنان بوجهها الذى توردت خدوده وبدت شفتاها عن انفراجة ابتسامة عذبة .. مدت كلتا يديها تريد أن تجذبنى إلى جانبها ، وجدت نفسى أنساق لحيث تريد .. جلسنا ملتصقين ثم اعتدلت فجأة وألقت نفسها فى صدرى وراحت تحتضننى بعمق ، كنت أتوه بها ومعها لدرجة أن ماقالته أثناء ذلك لايجد له مستقرا فى عقلى ، ربما لدفء وشفافية وعذوبة حضنها .. ربما لانشغالى بجمال حزنها الذى ارتسم على وجنتيها من عتبات ذلك الحزن الدفين الغامض التى أضمرته بداخلها .. وربما لما أشعر به تجاهها الأن ، حيث أعتملت فى نفسى أحاسيس ووجدانات ، فقلت لها : هاميس إننى أريد أن أتكلم ولكننى لاأعرف .. لاأعرف أن أفسر الشعور الذى طغا على قلبى مذ رأيتك ، ولكننى أستطيع أن أؤكد لك أن حزنك ملأ نفسى بأنواع من الاحاسيس الغريبة التى لاأستطيع وصفها ، لقد كنت غارقا منذ ليلة أمس فى أحاسيس غريبة .. بعيدة ، لكنها تحولت الأن إلى احساس رائع بالسعادة والسرور والفخر والنشوة ، هل تستطعين أن تدلينى على سر هذا التحول الغريب ، قالت فى غبطة : إن المعانى التى تملأ قلبك هى نفسها التى ملأت قلبى ، إنك تتكلم وكأنك توصف إحساسى أنا ، إنه التجاذب ، قلت لها : تجاذب القلوب نفسها هى التى توجد المعانى وليس العكس ، قالت : وهل يمكن للقلوب أن تتجاذب دون إحساس وشعور ، إنها المعانى ، قلت : الحقيقة لاأدرى ، لكن الذى أعرفه أن هناك أشياء ليست لها معانى محددة ولكننا نحسها فقط ، ولابد لها أن تنسجم وتتكامل معا حتى تصير لها معنى وتصبح صورة واضحة ومن أجل أن نستوعبها لابد أن نتأملها من بعيد ودون ترتيب ، لهذا سألتك ، فأحساسى هو كما لو أننى تائه بين السماء والأرض .. إحساس لاأجد له معنى ، وحتى الحب نفسه ماهو إلا حالة وجدانية نعيشها بلاعقل ولاتخطيط ولاتدبير ولامنطق ، ليس له معنى واحد ، ولاطرف واحد حتى يمكننا الإمساك به ، بل نترك أنفسنا معه على السجية ، قالت : إنك تعرض نظرة فلسفية لماهية الحب ، لكن الشعور به مختلف ، عصام : إننا لن نضيع وقتنا فى عرض نظريات فلسفية للحب ، ولكن دع إحساسنا هو من يفرض نفسه بقوة ويعبر عن حاله ، فهو أفضل من يعبر عن ذاته .
 
 
    خيم الليل بخيوطه على المكان ، الذى بدا وكأنه عالم من السحر ، الأنوار مبهرة تطوق عنق الليل .. تخطف الأضواء فيه العيون .. أضواء ارتسمت على مياه النيل بألوانها المختلفة ، جعلت من النيل لؤلؤة تنبعث منها الألوان من حيث لاتدرى ، الزحام شديد .. موسيقى تنبعث من كل العائمات ، كان يملؤنى إحساس لايوصف يحتاج إلى هزة عنيفة من الجذور حتى تتساقط عنى همومى وإحساسى بالوحدة ، كنت أحدث نفسى : ماذا تريد بعد ذلك وهاهى هاميس أمامك بكل عنفوان جمالها  ومافيها من سحر أخاذ بل هى ماكنت تبحث عنها طيلة أيام حياتك ملتصقة بك وبين يديك الأن ، كنت فى حيرة شديدة من حقيقة عاطفتى نحوها ، لكنى كنت أجد سعادة عند رؤيتها لاتقدر .. وكنت وأنا أقف أمامها أتأمل وجهها الجميل وعينيها الفاتنتين أنسى الدنيا ومن فيها . قضينا ساعات على هذه الحالة مرت وكأنها لحظات .. لحظات سعيدة امتزج فيها الحب بالضحك بالحزن بالدموع ، ثم افترقنا على موعد باللقاء ، اختفت هاميس من أمامى فجأة ، ومضيت وحدى أضرب فى الطرقات الهادئة بعد أن تجاوز من الليل منتصفه ، وأنا أشعر براحة نفسية عميقة ، ووجدتنى أخطو بلا وعى ، وهبت على نسمات اللحظات الجميلة المشيعة بكل الحنين والحب الذى ملأ قلبى والتى عشتها منذ لحظات والتى شاركتنى فيها هاميس بقلبها الحنون وجم مواقفها الدافئة التى لازلت أحس بنشوتها تلامس خيالى وتشع فى كيانى سعادة تغمرنى غمرا ، لأسأل نفسى نفس السؤال ، هل قلبى هو الذى دق على عقلى ليتجاذب مع من يحب ، أم المعانى هى التى تتجاذب ؟ أم هذه سفسطة ونظريات فلسفية كما قالت هاميس .. لايهم ، إنما من المؤكد والذى أعرفه أننى الأن أحب .. أحب فقط .
 
 
 عدت إلى بيتى متأثرا ولدى إحساس بأن ثمة شيئ ما ينقصنى . دخلت شقتى ومنها دلفت إلى حجرتى ، لأفاجأ بهاميس نائمة على السرير .. وكانت النافذة مفتوحة إلا من الستارة التى كانت تلوحها نسمات الهواء الخفيفة التى كانت تهب بين الحين والحين ، كانت غارقة فى ثبات عميق  ، وقد غطت جزءا من وجهها وذراعيها ، وبدا الجزء الأخر من الوجه الجميل وكأن النوم قد أكسبه جمالا على جمالها العجيب ، ومن أسفل الغطاء الخفيف الذى كانت تلتحف به بدت أحدى ساقيها عارية .. مليئة وملفوفة ، كادت الفرحة أن تقتلنى وأنا أقف أتأملها وخشيت أن تفتح عينيها فجأة فتجدنى أبحلق فيها ، مشيت على أطراف قدمى ورحت أغطى جسدها كله وتركتها حتى لاأزعجها كى تنعم بنوم هادئ وعميق ، جلست على الكرسى الهزاز الموجود فى التراس باسترخاء استرجع كل أحداث اليوم الجميل  وأنا فى قمة سعادتى وفتحت الكاسيت على غنوة حليم " بأمر الحب " وكانت كلماتها متمشية مع عواطفى الجائشة ، وقلبى الذى يدق فى صدرى مع سحر نغمات الغنوة ، كنت أردد كلماتها التى تقطر عذوبة وحبا وحنانا ، أفكر فى الحب الذى يحيل البيد الجرداء إلى جنة خضراء ويجعل الدنيا كرنفالا من ألوان متوهجة ربيعية خالصة . ودون أن أدرى وجدت هاميس تقف أمامى تنظر إلى وأنا سارح فى أحلامى ، فجلست بجوارى على ركبتيها وطوقت عنقى بكلتا يديها وألقت برأسها فوق كتفى ثم على صدرى ، وامتزجت الاحاسيس بالعناق .. بالقبلات بالكلمات بالغناء ، ورحت أغنى مع حليم : بأمر الحب أفتح للهوى وسلم .. بأمر الحب أفتح قلبك .. أتكلم ، بلاش نهرب .. بلاش نتعب ، تعالى نحب ونسلم بأمر الحب . حياتى .. دنيتى .. عمرى ، بأمر الحب مش أمرى ، بحبك حب ماحدش قبلنا عرفه ولاصادفه .. بحبك حب مش قادر على وصفه وأنا شايفه .. بنظرة شوق بتنهيده .. بدنيا كلها جديدة .. ونجمة مسكتها بإيدى وكانت فى الفضا بعيدة .. وشيئ فى الليل بيتوهنى .. وشيئ فى عنيك بيندهنى .. حرام نسكت على قلوبنا حرام الشوق يدوبنا .. بلاش نهرب .. بلاش نتعب ، تعالى نحب ونسلم بأمر الحب ، وغفونا ونحن على هذه الحالة ، بعد أن توقف زماننا الخاص ، أنا وهى ، ولم لا ، وقد أصبح لنا عالمنا الوحيد الذى يضمنى وأياها ضما بعد أن تعلقنا بأمل جديد .. إنه زائرنا الوحيد .. الحب .
   
 

                   وإلى لقاء جديد فى الجزء الرابع      

 مع خالص تحيات : عصــــــــام                    
                                    القاهرة فى أغسطس 2008

(14) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 03 اغسطس, 2008 02:31 م , من قبل hool9000
من فلسطين

اخي عصام لا اعلم كيف اصف كلماتك وكيف اكتب عنها ...

عشت ذلك اليوم الذي قضيته مع هاميس وكأنني معكم .. جميله هي حكايتكم وجميل وصفك لها والاجمل حبها الصادق للنيل

وكذلك شقاوتها اثناء وجودها بالمكتب

الحب هو اسمى من كل النظريات فلنعشه دون ان يكون له فلسفه لانه ينبع من المشاعر والاحساس

_________

عاجزة عن وصف كلماتك الرائعه

تحياتي لك ونحن بانتظار الباقي

ام ياسمين


اضيف في 05 اغسطس, 2008 12:55 ص , من قبل omaema
من مصر

صديقى الاكثر من رائع..عصام..
الله ما اروع حلمك عندما نعيشه معك بكل تفاصيله..نسمع دقات قلبيكما..نرى ارتعاشات ايديكما تترجم الحب الهادر بذواتكما..نحس بالنور يغمر دنياكم فيسعدنا ..انى اكاد ارى نظرات العشق والهيام تحرق الاحساس بالوحده وتؤنس وحدتنا..تسعدنا لحظات الهناء المسروقه من الاحساس بالملل والوحده والضياع..فضلا دعونى اسمع كلمات حليم مرددا اروع الكلمات مترنما باعذب الالحان.دعنى اتمتع بشقاوة هاميس فتضحكنى فتغسل هموم الحياة عن قلبى..انى اراها واشعر بحزنها على ما آل اليه حال النيل ..
عصام..اسلوبك الامير اخذنى من نفسى وبهرنى ولم يدع لى الفرصه كى استجمع شتات نفسى.فعذرا اذا جاء تعليقى مهلهلا.اسلوبك اكثراكثر من رائع..دمت متميزا..دمت فى عناية الرحمن


اضيف في 05 اغسطس, 2008 11:06 م , من قبل chirin147
من المغرب

احلم واتمنى واسرع
مع خيالي يا ترى العمر يكفي
احقق الي في بالي احلام بالالوان
كل الزهور وكثيرا اماني ولساني
مش عارف يعبر حالي بس انت عارف
قد ايه بحبك واديه انك غالي
\\\\ هنيئنا لك ولكلامك جميل \\\\
صديقي عصام
وصف جميل


اضيف في 08 اغسطس, 2008 01:11 ص , من قبل hourianile
من مصر

أيها العاشق لقد جسدت الحب بكل معانيه جعلته ذلك الشعور الخفى الذى يتجول فى كل مكان ويطوف الدنيا بحثا عن فرصته المنتظره ليداعب الأحساس ويسحر العين ويتسلل بهدوء ويستقر فى غفله من العقل ورغما عنك دخل تجاويف القلب ليمتلك الروح والحب هو ذلك الشعور الذى تملكك من داخلك
لقد جعلتنى أعيش معك قصه حبك انت وهاميس فقصه حبكما جعلتنى أشعر أن الحب هو جنه الدنيا وفردوس الحياه أنه الأمل الذى يشرق على القلوب الحزينه فيسعدها ويدخل الى القلوب المظلمه فينيرها ويبدد ظلمتها ويتسرب الى الجوانح فيغمرها بضيائه المشرق الوضاء
أيها العاشق ما أجمل أحساسك فقد جعلتنى أعيش للحظات فى عالم أخر كله حب و ورود وصفاء


تحياتى لك
حوريه النيل


اضيف في 08 اغسطس, 2008 02:52 ص , من قبل sswma
من مصر

السلامو عليكم ورحمه الله وبركاته
فى الواقع عجبنى الاتجاه الرومانسى والاتجاه الاخر وهو لمس واقعنا وبتهيالى كده هاميس هتنصدم كتير
اما النيل فله الله فهويعانى من الجميع
نهر النيل الى منبعه من الجنه
يصرخ دوما من عدم احترام الناس لهبه الله
اما عن السيارات فاعتقد ان صحه هاميس ستعانى من الاختناق والدخان وثانى اكسيد الكربون واحتمال ان تصاب بامراض الصدر
فهميس ستصدم كثيرا
اما عن حديثك مع نفسك واتهامك بالقانون فلاتقلق فانا ارى كثيرون يتكلمون مع انفسهم وهم سائرون فى الطريق العام
دومت بخير
ثومه


اضيف في 08 اغسطس, 2008 03:03 م , من قبل femus
من مصر

الرائع الفنان المميز جدا جدا جدا عصام صاحب الشخصية المختلفة وصاحب الأحساس الذى يفوق كل الحدود وكل الأوصاف انا مش داخل اجامل فى شخص ولكن اسلوب هذا الشخص وروعة اساطيرة تحكم على احساسى ان اتكلم فى حق هذا الشخص الرائع صاحب الكلمة والأحساس اهم ما يميزك امير الكلمة عصام انك تكتب بكامل احساسك النادر بس ياريت الناس تفهم موضوعاتك صح مش تعلق وخلاص انت امير الكلمة وامير الأحساس والمشاعر كلها شخصك الكريم فوجودك هو ما يعطى لنا الأحساس بالراحة والأمان اسلوبك دائما فريد من حكايات اسطورية واقعية بنعيش معاة بأحساسك انت دائما بتأخذنا فى عالم من الخيال فى دانيا الواقع والله عايز اتكلم كتير واعلق على كل جزء من بداية الموضوع الى اخرة ولكن لضيق الوقت " اكتب لك سطورى البسيطة من احساس كامل يشعر من هو عصام الأنسان " اخيك الصغير محمد مازن


اضيف في 15 اغسطس, 2008 05:34 م , من قبل mohammedabiby
من مصر

الرائع 000 عصام

عندما تكتب

تجب علينا القراءة

والصمت

لنعيش أجواء كتابتك الرائعة

ونستحضر كلماتك وهمساتك

لتتجسد امام عيوننا حية

فى ملحمة مسرحية رائعة

دمت رائعا ومبدعا ومتميزا

تقبل مرورى

محمد قنديل


اضيف في 19 اغسطس, 2008 07:26 م , من قبل leparfumdujasmin
من الجزائر

سيّدي الكريم عصــــــــــــام

كانت الرؤى تعبر إلى ضفاف الروح ,,

كانت الأمنيات جسرا مضمرا في لغة

البهاء ,,,

عطرت مساحة البوح برذاذ تواتر على

القلوب ,,,

تقبل عطر ودي وتقديري


اضيف في 28 اغسطس, 2008 01:11 ص , من قبل femus
من مصر

اخى الحبيب / عصام كل عام وانت بخير وسعادة تحياتى لك


ورمضان كريم


اضيف في 01 سبتمبر, 2008 02:35 ص , من قبل souadsaleh

السلام عليكم و رحمة الله

كل سنة و أنتم طيبون بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك أهله الله علينا باليمن و الإيمان و السلام و الإسلام و أعاننا على صيامه و قيامه و أقصانا محرر من أيدي الغاصبين

لكم أخوتي الصادقة في الله


اضيف في 10 ديسمبر, 2008 03:07 ص , من قبل samarbella
من ليبيا

أخي عصام

هنا أقف حائرة..
كيف سأصف أحاسيساً عشتها بسطورك

حقيقة أعجز عن ذلك

و الأمر الواضح الوحيد..
هو انني سأتمنى أن أكون دائما هنا


اضيف في 10 ديسمبر, 2008 05:32 م , من قبل viewsonic
من مصر

الله بجد استاذى ايه الجمال ده ما شاء الله اسلوبك وسردك للقصه ووصفك لهاميس وقد ايه هيه جميله ورقيقه بجد كل ده ابهرنى
حضرتك خيالك جميل وواسع بجد يابخت هاميس بكاتبه حضرتك ووصفك ليها

احلى جمله عجبتنى ( شيخا كبيرا هرمته الأيام وهزمته بعد أن عاشت سنوات وسنوات فى أحضان شبابه ) الله بجد المقال كله رائع بس الجمله ده وصفها جميل اوى

عجبنى كمان ذكاء حضرتك فى الرسايل اللى عايز توصلها للقراء من خلال موضوع رومانسى هوه الحفاظ على بيئتنا ونهر النيل .. رومانسيه تحمل فى طياتها مثل ومبادئ للبشريه .
انا فخورة ان حضرتك استاذى
انتظر تعليقى فى الجزء القادم باذن الله

تلميذتك علا


اضيف في 25 ديسمبر, 2008 12:53 م , من قبل dagdoga
من مصر

لا اعرف كيف اكتب تعليقا عن كلمات هي في الواقع ليست كلمات وانما هي احساس صادق بالحب احساس رائع لا يتسنى لي ان اعبر عنه بالكلمات ولكن كل ما استطيع ان اقوله انك تملك قلم رائع يعكس بالتأكيد على انك تملك قلب محب كبير وانك ذو احساس مرهف احساس شاعر وكاتب بحق
اشكرك علي موضوعاتك التي تزيد النفس راحةً وهدوءاً وحباً.


اضيف في 25 ديسمبر, 2008 12:54 م , من قبل dagdoga
من مصر

لا اعرف كيف اكتب تعليقا عن كلمات هي في الواقع ليست كلمات وانما هي احساس صادق بالحب احساس رائع لا يتسنى لي ان اعبر عنه بالكلمات ولكن كل ما استطيع ان اقوله انك تملك قلم رائع يعكس بالتأكيد على انك تملك قلب محب كبير وانك ذو احساس مرهف احساس شاعر وكاتب بحق
اشكرك علي موضوعاتك التي تزيد النفس راحةً وهدوءاً وحباً.




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية



Get a scroller sign at http://www.glitteryourway.com!