جيل أكتوبر .. وشباب مارينا

 

جيل أكتوبر وشباب مارينا

إننى لأجد مبررا أن أكتب بعضا من الكلمات عن حقيقة لاتغرب عنها الشمس ، وخاصة بعد مرور هذه الفترة الطويلة ، ولكن مادفعنى دفعا لكتابتها هو أننى قد بلغت حالة من الاستياء والإحباط الشديدين أغلقتا كل قدراتي على مواصلة بث كل بواعث الأمل بداخلى التى طالما أسرفت فى إدعائها. فقررت أن أقف عن صمتى لأصرخ خلاص مايدور حولى من حال تحول لنقيضه فى وسط أجواء تتحول مابين بلبلة من الأفكار المتشابكة والأيديولوجيات التي تضيف إلى الكوارث ردة فى الشعور العام ، وانهزامية لدى وطنية الكثيرين من شباب مصر ، التى أضحت ظاهرة رغم وجود من يعرفون معنى الوطنية ، لكنهم قلة للأسف الشديد  فكنت قدآثرت الصمت بدعوى تغير الزمن ، والدخول فى رحاب عالم تكنولوجى جديد . ولكن هذا الجو العام خلق هذا النوع من بلبلة الأفكار من جراء هذا الزخم في الآراء والأصوات المرتفعة التي يغلب عليها العبث والتعثر في فهم الحقيقة ، من هنا جاءت حالة الانحسار أو قل إن شئت حالة من الانكسار التى أصبحنا نعيشها اليوم لتفسخ الارتباط بماضينا ، بل والبعد عن تراثنا وموروثاتنا وعاداتنا وتقاليدنا ، وإزاء هذا الواقع المريرأثرت السكوت دون إرادة مني لهذه الفترات البعيدة ، إذ تاهت الكلمات منى ، ولم أجد لدىَّ حتى الدافع للبحث عنها،  وأصبحت لدى قناعة بوجود بعض من الفكر المناقض ، من ماض مفعم بروح التضحية والفداء ، لحاضر يسوده حالة من اللامبالاة يستنكر روح الانتماء ويعظم بل ويروج لثقافات أجنبية دخيلة ، لمجرد الهوس بالتقدم التقنى وعولمة الفكر ، وهذا دفع بطبيعة الحال إلى التعالى عن حب الوطن لدى الشخصية المصرية بدعوى أن مصر لم تقدم شيئا لأبنائها حتى يكون لديهم الدافع للانتماء لها ، مما أوجد هذا الشرخ الذى أخذ فى التعمق مع تداول الأيام والسنين ، وهذا جعلنى أتمنى لو أن الزمان يعود بنا للوراء ، حتى نعيش فى الزمن الذى كان فيه الرجال رجالا ، وكان الانتماء وحب مصر يملأ البسيطة من أرضها ، الأرض الغالية التى طالما ارتوت بالدماء الذكية لابنائها المخلصين .

 

 

 حتى جاء يوم السادس من أكتوبر من هذا العام فأيقظني ثم وجدت الكلام يتفجر منى ، واسمحوا لى بالعودة للوراء لهذا الزمن الذى لازلنا نرتوى من نهر عطائه المتدفق وبالتحديد مع الساعة الثانية بعد ظهر السادس من أكتوبر منذ عام الف وتسعمائة وثلاثة وسبعين ، ومع الطلقات الأولى لعبور قواتنا المسلحة للضفة الشرقية من قناة السويس وعبورخط بارليف المحصن ، عندئذ تغير كل شيئ على أرض مصر  ، إنه الميلاد الحقيقى للسلوك والتصرفات والاحساس بالمسئولية .. ميلاد جديد للحب وروح التعاون ، وتجسيد معنى التضحية والفداء ، ودعوة صريحة للعمل المتواصل ، إنه الاستثمار الحقيقى لروح ومجد أكتوبر الذى بعدنا عنه كثيرا ، بل أصبحنا فى حاجة لتعظيم الشعور بقيمة خضوب الأرض من المساحات الشاسعة من الرمال الصفراء التى تحولت إلى حمراء على مدار تاريخها .. تلك الأرض الغالية التى تربعت عليها سماء مصر الصافية برجالها ونسائها وشيوخها وأطفالها ، الأن تصرخ من يصونها .. تريد من يهتف لها  ( الله أكبر ) من جديد .. تريد من ينفض عنها غبار السنين الطويلة من التردى والبعد عن روح الوطنية والشعور بالانتماء .. تريد من يشعرها بالأمان من أجيال وأجيال تعاقبت على جيل أكتوبر العظيم .. أجيال تضيف لمنظومة النصر ولاتنتقص منه ، تقدم النفيث والغالى .. تقدم الروح والدم فداء لها مثلما فعل جيل أكتوبر ، صحيح أن الوقت يبعدنا أو يلهينا ولكنه لاينسينا أن مصر هى مصر ، وستبقى دائما مصر ، فهى دوما ترى أبناءها مستعدين .. متأهبين .. خاشعين .. لايخافون الطلقات وهى تقترب من صدورهم ، تريد أن ابناءها يقدرون ترابها الغالى ، لأنه أغلى ماتقدمه لهم ، وقد فعلها جيل أكتوبر حينما استبقوا جنودا فى قواتها المسلحة بعد انتهاء مدة خدمتهم الالزامية سنوات وسنوات وهم فى زهور العمر فتحوا صدورهم الشامخة يتلقون الطلقات حتى نفدت راح فيها ماراح ، وذهب فيها ماذهب ليفتحوا برفق كل أبواب الأمل ليطل منها أطفال مصر للمستقبل من جديد ، وهاهم أصبحوا ملايين وملايين من الشباب ، ولكنهم ذهبوا ضحية الإعلام الموجه والحالة الاقتصادية المتردية والعولمة مما روج فى النفوس بث الأنانية والفردية لطمس معالم الانتماء فيها ، وهذا ماوضعنى فى حيرة حينما تأملت الشخصية المصرية وطبيعة تصرفاتها وردود أفعالها وخاصة فى وقت الشدة كأيامنا هذه ، وضع يفرض نفس التساؤل لماذا تبدد بل واختفى كل ماكان يتحلى به الجيل العظيم من مزايا  .. جيل أكتوبرالذى حارب وحقق الانتصار عن جسارة واستبسال ليخرج للعالم عظمة الإنسان المصرى ، أين هو الأن ؟  ولماذا ذهب ولم يعد ؟ أوعلى الأقل لماذا لم نحافظ على هذه الانجازات ؟ وهل هذا يرجع لتغير معايير الحياة وتبدل كل أشكالها وممارساتها من رؤى وتوجهات ؟ أم ماذا ؟ اسئلة عديدة تفرض نفسها ولكن لاتجد إجابة محددة عنها ، مفترض أن المسئولية اليوم أكبر لأن النصر لايحميه إلا مزيدا من الانتصارات ، والمحافظة على البطولات يستوجب مزيدا من العمل .. وأنه ليس أمامنا أية خيارات لكى نبنى مصر المستقبل ، ونضيف على انجازات تاريخ مصر الناصعة غير بالتأهب بقوة العلم والتكنولوجيا  وبأفكار خلاقة جديدة ومبتكرة تقدم حلولا لقضايا متراكمة مستعصية ‏,‏ ليس بالضرورة بدخولنا غمار حروب عسكرية جديدة ، بل بمواجهة  التحديات الكثيرة التى أثقلت كاهل بلدنا وخاصة الاقتصادية والاجتماعية منها ، إنه التحدى الجديد ‏,‏ فكم نتوق اليوم إلي انتصارات حياتية في معارك التنمية والتكنولوجيا والتعليم والإدارة ومكافحة الفساد وغيرها من معارك النهوض والتقدم‏ ، فالحرب العسكرية من أجل العقيدة والشرف والعرض ، حرب معلنة وصريحة ، إنما حروب التنمية تتم بتوجهات أخرى منظمة وشرسة ، غير معلنة ومجهولة المصدر ، لاتعرف من أين تأتى لنا ؟ .. إنها الحرب الاقتصادية التى جاءت متوائمة مع العولمة ، والاتجاه من الاقتصاد الموجه إلى الاقتصاد الحر وانتهت إلى أزمة مالية طاحنة اجتاحت العالم ، أننا نعيش فى عالم تضمه سلة واحدة ، البقاء فيها للأقوى ، ونحن لم نكن أقوى ولاأفضل ، ولكن هناك حقيقة لاينبغى أن تغيب عن أذهاننا أو ضمائرنا لحظة واحدة كلما أخذتنا الحياة أو جرفتنا للمناطق البعيدة ، أن قوتنا فى وحدتنا ، وأنها كانت هى القاعدة الاستراتيجية ذات القوة الهائلة التى انطلقت منها شرارة أكتوبر والتى كشفت معها جوهرنا الأصيل . إننا نريد أن نفصل هذا المزج الغليظ حتى يظل شباب مصر متدفقا مع كل قطرات الدم التى اندفعت من الصدور ولم تمت ، بل روت الأرض ولم تجف بعد إنها دورة متجددة مثل الشمس التى تغيب وتشرق من جديد ، ومثل الأرض الحبيبة الطيبة التى يكسوها اللون الأسمر ثم تخضر ، لقد اختزلت مصر كل أحلامها وكنوزها فى وجوه شبابها السمر الشداد على مدار السنين ، والأن تحلم بعودتهم فى أحضانها من جديد ، اختزنته كى تدفع به لو فكر أو حاول كائن من كان أن يمس كرامتها وكرامة ابنائها ، فهل نحن قادرون على تحمل المسئولية من جديد ، هل فى قدراتنا تكرار تحقيق الانتصارات الجديدة ، ليس فى كرة القدم فحسب ، بل فى كل شيئ بما يتفق مع الشرعية والسلام ؟ ، إن نصر أكتوبر لازال علامة بارزة فى تاريخ أمتنا العربية ، تفوح ذكراه كل عام ، فنستعيد منه ذكريات العزة والكرامة .. إن الروح العظيمة التى حركتنا فى أكتوبر لقادرة أن تحركنا اليوم وغدا ، قادرة على رسم الطريق ، شريطة أن نجعل واقعنا اليوم قادرا علي انتاج مسببات انتصار اكتوبر ونحول هذا الانتصار إلي قوة ملهمة نواجه بها تحديات واقعنا الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ؟ مع تحمل ابناء مصر المسئولية ــ وأعنى شبابها ــ وتقديرهم لقيمة ترابها واستيعابهم لمعنى الوفاء والتضحية والفداء .. معنى العزة والعيش بكرامة ، وأخيرا التغنى بحب مصر لا بالهتافات لتامر حسنى على شواطئ مارينا .

 

 

 

 

 

(3) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 14 اكتوبر, 2009 01:46 ص , من قبل samsam07

السلام عليكم
حرب اكتوبر من امجاد مصر
كل عام وانتم بخير


اضيف في 14 اكتوبر, 2009 04:44 ص , من قبل loolwah
من لإمارات العربية المتحدة

عمر ...
صباح الخير ، هذه المقالة بحد ذاتها معلم دليل إثبات على أن الروح المصريه الوطنيه لا زالت بخير ،
مصر كان الله في عونها العبء ثقيل عليها ،والمسؤليه صعبه ، وهي مطالبه بلعب دور أفضل في هذا العصر وكل عصر
تحياتي لولوه


اضيف في 26 اكتوبر, 2009 05:04 م , من قبل janahadee

السلام عليكم


جميل ما كتبت عن حرب العزة

والكرامة فيه تايخ وامجاد كل

مصرى محب لها
نتمنا ان يعيش كل مصرى فى خير وسلام

جنا




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية